الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
233
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حيث يقع مرسى عدن ومرسى زيلع . ولما كان في خلق البحرين نعم على الناس عظيمة منها معروفة عند جميعهم فإنهم يسيرون فيهما كما قال تعالى : وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ [ النحل : 14 ] وقال : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ يونس : 22 ] واستخراج سمكه والتطهر بمائه . ومنها معروفة عند العلماء وهي ما لأملاح البحر من تأثير في تنقية هواء الأرض واستجلاب الأمطار وتلقي الأجرام التي تنزل من الشهب وغير ذلك . وجملة يَلْتَقِيانِ وجملة بَيْنَهُما بَرْزَخٌ حالان من الْبَحْرَيْنِ . وجملة لا يَبْغِيانِ مبينة لجملة بَيْنَهُما بَرْزَخٌ . [ 21 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 21 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) تكرير كما علمته مما تقدم ، ووقع هنا اعتراضا بين أحوال البحرين . [ 22 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 22 ] يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) حال ثالثة . ثم إن كان المراد بالبحرين : بحرين معروفين من البحار الملحة تكون ( من ) في قوله : مِنْهُمَا ابتدائية لأن اللؤلؤ والمرجان يكونان في البحر الملح . وإن كان المراد بالبحرين : البحر الملح ، والبحر العذب كانت ( من ) في قوله : مِنْهُمَا للسببية كما في قوله تعالى : فَمِنْ نَفْسِكَ في سورة النساء [ 79 ] ، أي يخرج اللؤلؤ والمرجان بسببهما ، أي بسبب مجموعهما . أما اللؤلؤ فأجوده ما كان في مصبّ الفرات على خليج فارس ، قال الرماني : لما كان الماء العذب كاللقاح للماء الملح في إخراج اللؤلؤ ، قيل : يخرج منهما كما يقال : يتخلق الولد من الذكر والأنثى ، وقد تقدم بيان تكون اللؤلؤ في البحار في سورة الحج . وقال الزجّاج : قد ذكرهما اللّه فإذا خرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما وهو كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : 15 ، 16 ] ، والقمر في السماء الدنيا . وقال أبو علي الفارسي : هو من باب حذف المضاف ، أي من أحدهما كقوله تعالى : عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] أي من إحداهما .